الفرق بين الألم العاطفي المزمن و الالم الحاد

في أحد الأيام ، سألت سؤالًا على وسائل التواصل الاجتماعي عن عن الفرق بين الألم المزمن والألم الحاد. كنت مهتمة لمعرفة كيف ينظر الناس إلى ذلك، أيهما يعتقد الناس أنه أكثر خطورة؟ وما إذا كان يمكن علاجهما باتباع نفس الإجراءات والتقنيات؟ تساءلت كيف يعمل هذا من أجل الروح والقلب والألم النفسي بسبب تجارب الحياة السلبية، وما إذا كان الناس يعتقدون أن تجربة سلبية حادة واحدة في الحياة يمكن أن توازي و تعادل العديد من تجارب الحياة المزمنة التي يواجهها شخص آخر خلال حياتة. هل ستحتاج كل منهما نفس عملية الشفاء؟ هل يمكن أن كلا الشخصين يحتاجان إلى نفس الوقت للتغلب على صدمتهما؟
رد أحد الأشخاص على تساؤلاتي بإجابة عميقة: “لسوء الحظ يولي الأطباء والباحثون الطبيون اهتمامًا أقل للألم المزمن على الرغم من أنه أكثر ضررًا على المدى الطويل”. وهذا صحيح جدًا في الألم الجسدي، وعندما يتعلق الأمر بالألم النفسي والقلب والروح يكون أكثر صعوبة. والسبب هو أننا نواجه جهلاً مزدوجاً عندما يتعلق الأمر بالألم غير الجسدي المزمن، حيث ان الجهل الأول يرجع إلى حقيقة أن الألم غير ملموس (مثل شبح غير مرئي في ليلة مظلمة)، والجهل الثاني هو أن هذا الألم يأتي بجرعات صغيرة يمكن للناس تحملها.

لنكن واقعيين هنا، هل سبق لك أن رأيت قلب شخص ينزف بسبب الألم الذي يشعر به بعد وفاة حبيب أو خسارة كبيرة عانى منها؟ هل ترى قطعًا من وجه وجسم شخص ما محطمة و مذلولة بسبب التقليل من شأنهم من قبل رؤسائهم، أو الأشخاص الأكثر ثراء، أو أصحاب العمل، أو الأشخاص الأكثر قوة، أو الزملاء الأكبر سنا في المدرسة، وما إلى ذلك بشكل يومي؟ من الواضح أن الجواب هو لا على الرغم من أن هذا قد يكون ما يشعر به بالضبط. ولأننا لا نراها، لا يمكننا الاعتراف بها، وبالتالي فإننا نميل إلى تجاهلها.

علاوة على ذلك ، فإن مثل هذه الحوادث التي تأتي بجرعات منخفضة تكون غير مؤلمة لأنها لا تتجاوز المدى الذي يستطيع الشخص تحملة، ومع الوقت يجدون أنفسهم قد تعودوا على هذا الألم ولا يشعرون به، يشعرون بالخدر، و هذا الشبح السري للمشاعر التعيسة يستمر في تدمير خلاياهم بصمت حتى يأتي في يوم من الأيام على شكل كسر جسدي ضار.

إننا بحاجة إلى أن ندرك أنه إذا بقيت هذه المشاعر غير السعيدة / غير الصحية لفترات طويلة من الزمن، فإنها تصبح خطيرة للغاية، لأنها تتغلغل في قلوبنا وأرواحنا باستمرار. ولأن هذه المشاعر لا تتخطى حدودنا في التحمل مرة واحدة (مثل نبضة كهربائية صادمة قوية)، فإننا نميل إلى الاستخفاف بها و تركها، معتقدين أنها أمور سهلة لا تستحق اهتمامنا، وسوف تختفي مع مرور الوقت، ولكن مع استمرار تجاهل الجرعات الصغيرة المتكررة من التجارب السلبية، فقد ينتهي بنا الأمر في يوم من الأيام بالمعاناة من مرض طويل الأمد وربما اكتئاب مدمر يتسبب في جميع أنواع الأمراض المميتة (بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر السرطان)، ناهيك عن طريقة التفكير السلبي التي نطورها والتي تحفز جميع هذا الألم الخفي كلما مررنا بتجربة مماثلة. وفجأة نشعر بالصدمة والارتباك، ونبدأ بالتساؤل بفزع شديد: كيف يمكن أن يحدث هذا لنا؟! لماذا نعاني من هذا المرض القاتل؟! متى حدث هذا؟! ما الذي أتى بي هنا؟! من غير ان نعتراف بأن إنكارنا وتجاهلنا المستمر لما يحدث لنا من جرعات صغيرة قد تراكمت بمرور الوقت وقامت بالظهور في شكل من الوجود المادي كشكل من أشكال المرض يقوم بمهاجمة أعضائنا الأكثر ضعفا (حيث أن كل إنسان لديه عضو ضعيف خاص وهو عرضة للهجوم إذا تراكمت سموم كافية في جسده، ويختلف هذا العضو من شخص لآخر) ويخبرنا بنبرة قوية: انظر! احترس! اشعر! استمع! اتخذ قرار لوقف ما يحدث لأنني لا يمكنني ان اتحمل أكثر من ذلك !!

خلال نفس الفترة من تفكيري و تأملي حول الألم غير الجسدي المزمن مقابل الألم الحاد، حضرت جلسة اجتماعية، حيث كانت تتحدث سيدة لطيفة عن القوة الداخلية وكيف يمكن للناس أن يستلهموا القوة من الاشخاص الآخرين الذين يمتلكون صفات مماثلة لهم ويحققون أهدافهم. ولقد لفت انتباهي ما ذكرته إلى حقيقة مهمة حول “كيف لهذا الشخص أن يعلم ذلك الشخص” بسهولة كبيرة. يمكننا أن نتعلم التصوير الفوتوغرافي من مصور محترف بكل سهولة واستمتاع لأنه ببساطة يشارك تجاربه وأخطائه ولحظاته و يمكننا أن نتعلم النجارة من نجار، والزراعة من مزارع وأي مهارة فنية من ممارس محترف بنفس مستوى الاستمتاع لنفس الأسباب.
ثم تساءلت: ماذا عن ألم القلب والعقل والروح؟ ألا يمكن علاجه من خلال التعلم من شخص يعاني من آلام مماثلة ووجد طريقة للتغلب عليها بشكل دائم؟ من المؤكد أنهم يستطيعون ذلك، لأنه ببساطة يمكن تعلم هذا من ذلك، وبالمثل يمكن علاج مثل ذلك أيضًا، في حالة واحدة: يمكن للأشخاص الذين يعانون من الألم المزمن ان يلهموا الآخرين المعانين من الألم المزمن، ويمكن للأشخاص الذين يعانون من تجارب حادة أن يلهموا أولئك الذين يعانون من تجارب حادة مماثلة، لأنهم سوف يتحدثون نفس اللغة ويتبادلون النصوص والقصص والفشل وحتى النجاحات الصغيرة خلال رحلتهم. بالتأكيد سيتطلب الأمر الكثير من العمل للعثور على المطابقة الصحيحة و الشخص الصحيح، لكنني أعتقد أن النتائج المترتبة على ذلك تستحق العناء. كما هو الحال عندما نقوم بذالك، فإننا لا نعالج الناس من آلامهم فقط، ونحسن صحتهم ونجعلهم يشعرون بالسعادة، ولكننا أيضًا ننقذ المجتمع من البرمجة السلبية إلى عقول الناس التي حدثت دون وعي مع الألم المزمن المتكرر. ولن اكون أتفاجأ إذا اكتشفنا ذات يوم كيف تؤثر عملية الشفاء هذه على الذاكرة الوراثية للاجيال القادمة.

نستمر أيضًا في سماع قصص مثل: نجت من السرطان، وتغلب على الفشل الكلوي، ونجا من زلزال، والقصة عادة ما تكون غامضة للغاية، دون ذكر أي تفاصيل حول عدد خيبة الأمل التي مروا بها للتغلب على عقباتهم كل يوم، وكم مرات اعتقدوا أنهم لن يصلوا إلى اليوم التالي، وما فعلوه لاستعادة قوتهم الداخلية ومواصلة المضي قدمًا. والحل في اعتقادي هو من خلال منح هؤلاء الأشخاص الفرصة والتشجيع على سرد قصصهم، والاستماع إليهم باهتمام كامل واحترام كبير للجهد الذي بذلوه للتخلص من هذه العادة السيئة (التي قد تؤدي إلى نتيجة كارثية ذات يوم )، للتغلب على وضع صعب، للتعافي من مرض قاتل، للبقاء على قيد الحياة من كارثة طبيعية والقدرة على العيش برغم الخسائر الناجمة عن كل ما حدث لهم في يوم من الأيام، للتغلب على آلام القلب أو الألم الجسدي أو العقلي، لتجد طريقها بعد الشعور بالضياع كليا. وبعد ذلك، نحتاج إلى الاستماع إلى قصصهم مرارًا وتكرارًا بنفس الشغف، وعيش قصصهم، ومشاركتها، والتأمل فيها حتى نبدأ بالشعور بالالهام و القوة في داخلنا لنقوم باتخاذ خطوات مماثلة والاستمرار في المضي قدمًا.

قال أحد الأشخاص على وسائل التواصل الاجتماعي حيث شاركت سؤالي: “الصلاة هي أفضل علاج”، ولكن هنا يأتي سؤال: إذا كانت الصلاة كافية، فلماذا نرى الكثير من الناس الذين لا يفوتون صلواتهم لا يزالون يعانون من ألم روحي وكذلك العقل وأوجاع القلب؟ وأنا لا أطرح هذا السؤال لإنكار ما قاله بأي شكل من الأشكال، بل للتأكيد على أهميته. وهو التركيز والتواصل في الصلاة. لذلك إذا قمنا بصلاة من المفترض أن تكون محادثات حية مع الله، فيجب علينا أن نولي الاهتمام و التركيز الكامل الذي نحتاج من خلاله إلى ان نتقرب منه كثيرًا، و طلب مساعدته العاجلة، و حمل الامتنان والشكر الكثير. و بعد أن نولي اهتمامنا الكامل نحتاج إلى التركيز خلال المحادثة بأكملها (أو على الأقل نبذل قصارى جهدنا لذلك، من خلال الاستمرار في إعادة الاتصال بأذهاننا عندما تتشتت)، ثم نترك أنفسنا في الحظة التي يكون فيها اتصال كامل وتمرالمحادثة بطلاقة واضحة. عندها فقط يمكننا القول أن الصلاة هي أفضل علاج. وإلا فإن الصلاة لن تفقد تأثيرها العلاجي الكبير فحسب، بل ستفقد أيضًا معناها القوي المتمثل في شكر الله على عطاياه، أو الاقتراب منه لطلب دعمه ومساعدته، معتقدًا أنه أعظم قوة على الإطلاق يمكنه حل جميع مشاكلنا و لديه القدرة المطلقة في إعطائنا ما نريده، بغض النظر عن عدم إمكانيته أو استحالة ذلك.

جانب آخر مهم هو الاتساق. حيث لا يمكننا أن نصلي صلاة واحدة أو حتى عشر صلوات كاملة في الحياة ونزعم أنها كافية، وأننا قمنا بما هو مطلوب لتكون في أفضل حالة مزاجية على الإطلاق، وسعادة غامرة، بغض النظر عما يحدث بعد ذلك، لأن تحديات الحياة لا تتوقف أبدًا. ولا يجب أن تكون دائمًا في شكل من أشكال التعذيب النفسي أو الحوادث الخطيرة، بل يمكنها أن تكون ببساطة غرامة سيارة، أو زيادة الضرائب أو حتى رحلة جميلة لا يمكننا القيام بها، وفي نفس الوقت تكون كافية لإزعاجنا وتغيير مزاجنا. والذي من الممكن أن يسبب مشكلة أخرى تحدث عند بدء عملية تأثير الدومينو لمجرد التفكير السلبي الذي سبب لنا حوادث بسيطة، ولم نفعل شيئًا لإيقافها أوالسيطرة على تفكيرنا السلبي. هنا تأتي قيمة الاتساق في أداء تلك الصلوات مع اتصال قوي مع الخالق؛ والذي يمكن أن يحدث فقط إذا منحنا الاهتمام، وقمنا بالتركيز أثناء المحادثة، واتبعنا قواعد المحادثة مع الله وسلمنا أنفسنا في ذالك الوقت، ووثقنا تمامًا في أن هذا ما سيجعلنا متوازيين مع أهدافنا في الحياة ، وسيمكننا من التخلص من أكبر العوائق، و وضع الأمثلة الصحيحة للآخرين للتعلم منها، والتعافي من أي صدمة أو حادث مميت، سواء كان ذلك ألمًا مزمنًا أو حتى حادًا.

* تستند المعلومات الواردة في هذه المقالة إلى وجهات نظر الكاتبة وتجاربها الشخصية ولا تستند إلى أبحاث أو ادعاءات طبية أو علمية.

Leave A Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *