تجاوز الطلاق

الانفصال مؤلم بكافة صوره. إن البشر يسعون للوصول إلى منطقة الراحة في أي موقف، فقد اعتادوا على ممتلكاتهم (أي منازلهم، وظائفهم، حيواناتهم الأليفة، دخلهم المالي، … إلخ) ويميلون إلى مقاومة التخلي عنها بكل الوسائل. وتعاملهم مع العلاقات لا يختلف عن ذلك. فالناس يعتادون على الترابط لدرجة أنه عندما يحدث الانفصال يمكن أن يؤدي إلى تمزيقهم. ففي كل الأحوال هو تغيير، والتغيير ليس دائما موضع ترحيب. تتشابه أعراض الانسحاب لدى الجميع تقريبًا، حيث يشعر الشخص بأنه “فارغ” و “جاهل” و “مرتبك”، ولكن قبل كل شيء، هناك شعور بالفقد والألم. وفي وقتنا الحاضر، نظرًا لزيادة التفاعلات الاجتماعية والاستقلالية المالية والتواصل الرقمي، أصبحت العلاقات الزوجية على المحك.

 

يعتبر الزواج من أهم جوانب حياتنا. لقد نشأنا ونحن نتخيل الزواج ونحلم به، لأن القصص الخيالية طوال حياتنا علمتنا أن هناك “سعادة دائمة” عندما يتزوج الصبي من فتاة. تبني هذه الفكرة صورة خاطئة للزواج في أذهاننا منذ الطفولة، فعندما لا ينتهي بنا الأمر بالزواج والسعادة الأبدية نصطدم في الواقع ويضربنا بقوة. الزواج ليس مجرد علاقة رومانسية، إنه أيضًا اتفاقية اجتماعية مهمة. في العديد من الثقافات، يقضي آباء العروس والعريس حياتهم بأكملها في التحضير لزواج أطفالهم، وإنفاق ميزانيات باهظة على حفلات الزفاف وإعداد منازلهم. يتم استثمارهم عقليًا وماليًا وجسديًا وعاطفيًا في هذه العملية. لذا، فإن إنهاء الزواج بالنسبة لهم قد يكون مثل إنهاء نظرة الشخص إلى الحياة.

 

لن أسهب في الحديث هنا عن أهمية الزواج، أو أهمية أن يكون الشخص متهيئا ذهنيا وروحيا وعاطفيا لذلك بالإضافة إلى الاستعداد البدني. هذا موضوع كامل في حد ذاته؛ سأناقش أمرين: الأمر الأول لماذا يقوم الأشخاص بالطلاق، والأمر الثاني أن الطلاق ليس نهاية الحياة.

 

تشير الأبحاث إلى أنه منذ تفشي Covid-19، زادت معدلات الطلاق في معظم أنحاء العالم. ومع ذلك، فإن الفيروس ليس السبب الرئيسي وراء الطلاق، فقد تراوحت الأسباب المدونة بين الخيانة الزوجية، وعدم التوافق، والمشاكل المالية، والعنف المنزلي، والاختلافات الاجتماعية، أو مجرد فقدان الاهتمام بالشريك. وإن Covid-19 كان بمثابة الضربة التي كشفت الغطاء عن هذه الأسباب. ولكن من وجهة نظري، الأسباب الجذرية الغير متوقعة لما سبق هي الافتقار إلى الحب، وعدم المرونة لاحتضان الاختلاف، وعدم الرغبة في بذل جهود حقيقية في العلاقة من كلا الطرفين، والتخلي عنها مبكرًا تحت أعذار. الاستثناء الوحيد الذي أفهمه هو العنف المنزلي، حيث توجد قيود جسدية لا تعطي مساحة للتفكير وتجربة أشياء جديدة. تصبح السلامة ضرورة ملحة والفصل أمر لا بد منه، حتى لو كان لبعض الوقت (قصير أو طويل) حتى يتم ضمان السلامة.

 

الطلاق ليس مجرد إنهاء شراكة جسدية مع شخص ما، حيث إنه يتطلب التنازل عن ممتلكاتك والعلاقات الجديدة التي قمت بها مع شريك حياتك وربما أطفالك. ويمكن أن يؤدي إنهاء كل هذا إلى عيش الناس تجارب صادمة خطيرة. ولكن التغلب على ألم الطلاق ممكن؟ الخطوة الأولى نحو التعامل مع الطلاق هي إدراك أنه ليس نهاية حياتك. إن الطلاق السليم أفضل بكثير من الحفاظ على أسرة مختلة. الخطوة الثانية هي التوصل إلى إجماع على أن هذا الانفصال لن يؤثر على الأطفال أو يتسبب في تمزيقك، عن طريق الحفاظ على علاقة حضارية مع زوجتك السابقة/ زوجك السابق، وعدم التحدث عنها /عنه بشكل سيء تحت أي ظرف من الظروف. ثم يأتي وقت الحزن على وقتكما معًا حتى لو لم يكن سعيدًا، لأنه كان شيئًا قد اعتدت عليه. تحتاج أيضًا إلى الحزن على المنظور الكامل الذي بنيته حول هذا الزواج، لأنه لم يعد موجودًا.

 

خذ وقتك للشفاء واستعادة الأجزاء المفقودة قبل التفكير في الدخول في علاقة جديدة. وإذا كان هناك أطفال، فتأكد من الحفاظ على صورة والدهم/ والدتهم كما هي في أذهانهم، والسماح لهم بقضاء وقت ثمين مع كلا الوالدين. احصل على دعم الأسرة والأصدقاء والمحكمة والأخصائيين الاجتماعيين وافعل كل ما يلزم لضمان عدم تأثرهم بما حدث. يجب ألا يشعروا بالذنب لعدم تعديل زواجك أو تحمل مسؤولية إصلاحه، فلديهم حياتهم الخاصة ليعيشوها.

 

أثناء ذلك، تجنب “التمني”. توقف عن التفكير في أنه إذا كنت قد فعلت الأشياء بشكل مختلف، كان من الممكن إنقاذ زواجك. نحن نتصرف ونتفاعل مع المواقف المعروضة علينا وفقًا لمعرفتنا ونوايانا الأفضل دائمًا. قد نفعل الأشياء بطريقة مختلفة إذا أتيحت لنا فرصة ثانية. كما هو الحال عندما نعرف المزيد، فإننا نفعل ما هو أفضل. ولكن قد تكون هناك فرصة ثانية أو قد لا توجد. لذا، فإن قبول الموقف والاستسلام لحكمة الله ولما يحدث، هو أفضل شيء يمكننا القيام به.

يجب تهدئة اللوم والشعور بالذنب والغضب، بعد ما بذلت قصارى جهدك، وبذل شريكك قصارى جهده أيضًا. عندما تدرك أن هذا أيضًا سيمر، اسمح لنفسك بالحزن. امنح نفسك الوقت الكافي لمعالجة ما حدث ولماذا حدث. سوف يساعدك على تجنب ارتكاب أخطاء مماثلة في المستقبل. سيساعدك أيضًا على تحديد العلامات الحمراء عند ظهورها. اسمح لنفسك بأخذ هذه المرحلة كعملية تحول إلى “ذات” جديدة.

 

أتفهم أنه عندما لا يتم التعامل مع الطلاق بحكمة فإنه يمكن أن يعقد حياتك – ليس هناك شك على الإطلاق. كما أفهم أيضًا أنه يمكن أن يجلب لك تحديات على المستويات الشخصية والاجتماعية والمهنية. ولكن يمكن التعامل مع كل شيء بمجرد أن ندير تصورنا لما حدث. لذا، بدلاً من ربط الطلاق بالمعنى: أنا فاشل، لست محبوبًا، أنا أُعاقب وأترك، يمكننا البدء في التفكير في الأمر على النحو التالي: أنا أغنى من كثيرين آخرين بدرس عملي في الحياة، ويمكنني استخدامه للحصول على علاقة مُرضية في المرة القادمة. ومن يدري فقد تكون مع نفس الشريك فالحياة لا يمكن التنبؤ بها، أو مع شخص يمكنه إثراء حياتك بقدر ما تثري حياته بحب وتفهم لا نهاية لهما.

 

فكر فيما تشعر به بداخلك، وكيف تحتاج إلى التعامل مع مشاعرك. وبدلاً من التركيز على ما يفكر فيه المجتمع عنك، ركز على المعنى الذي تعطيه للتجربة بأكملها. تأتي معالجة مشاعر أطفالك وشريك حياتك السابق بعد ذلك. لكن لا يمكنك أن تشفيهم إلا عندما تلتئم أنت أولا.

 

بمجرد أن تتخطى فترة حزنك، اكتب في مذكراتك عن الأشياء التي لطالما رغبت في القيام بها ولكن لم تجد الوقت لذلك. أعد اكتشاف شغفك واهتماماتك وهواياتك. استثمر وقتك في فعل ما أردت دائمًا القيام به. سيساعدك ذلك على التخلص من مشاعرك السلبية وسيساعدك على تنمية شخصيتك. إنه استثمار مجرب ومختبر. اسمح لنفسك أن تشعر بالألم وتثق في أنه من خلال حب نفسك واحتضانها، سيتم علاج جروحك في النهاية. فقط كن لطيفًا جدًا مع نفسك واطلب الدعم من عائلتك وأصدقائك والمهنيين متى احتجت إليه وفي أي وقت.

Leave A Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.